السيد نعمة الله الجزائري

10

عقود المرجان في تفسير القرآن

[ 9 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 9 ] وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) « وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً » ؛ أي : لو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا . لأنّهم كانوا يقولون : لولا أنزل على محمّد ملك . وتارة يقولون : « ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » . « 1 » لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً » . « 2 » « لَجَعَلْناهُ رَجُلًا » : لأنزلناه في صورة رجل - كما كان ينزل جبرئيل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في أعمّ الأحوال في صورة دحية - لأنّهم لا يبقون على رؤية الملائكة على صورتهم . « وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ » ؛ أي : ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ . فإنّهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة الإنسان : هذا إنسان وليس بملك . فإن قال لهم : الدليل على أنّي ملك أنّي جئت بالقرآن المعجز بأنّي ملك لا بشر ، كذّبوه كما كذّبوا محمّدا . فإذا فعلوا ذلك ، خذلوا كما هم مخذولون الآن . فهو لبس اللّه عليهم . ويجوز أن يراد : وللبسنا عليهم حينئذ مثل ما يلبسون على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات اللّه البيّنة . « 3 » « وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً » . جواب ثان ، إن جعل الهاء للمطلوب . وإن جعلناه للرسول ، فهو جواب اقتراح . فإنّهم تارة يقولون : « لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ » . وتارة يقولون : « لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً » . والمعنى : ولو جعلناه قرينا لك ملكا يعاينوه أو الرسول ملكا ، لمثّلناه رجلا ، لأنّ قوّة البشريّة لا تقوى على رؤية الملك في صورته . « 4 » « وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ » . قال الزجّاج : كانوا هم يلبسون على ضعفتهم في أمر النبيّ عليه السّلام ويقولون : إنّما هذا بشر مثلكم . فقال : لو أنزلنا ملكا فرأوا الملك رجلا ، لكان يلحقهم فيه من اللّبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم . أي : فإنّما طلبوا حال لبس لا حال بيان . وأضاف اللّبس إلى نفسه لأنّه يقع عند إنزاله الملائكة . وقيل : معناه : ولو أنزلنا ملكا ، لما عرفوه إلّا بالتفكّر ، وهم لا يتفكّرون ، فيبقون في اللّبس الذي كانوا فيه . « 5 »

--> ( 1 ) - المؤمنون ( 23 ) / 24 . ( 2 ) - فصّلت ( 41 ) / 14 . ( 3 ) - الكشّاف 2 / 7 و 8 . ( 4 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 294 . ( 5 ) - مجمع البيان 4 / 429 .